اسماعيل بن محمد القونوي
494
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ولا يستحسرون ) تنبيها الخ حاصله لو وقع تعب مما حملوه وأمروا به لكان أعظم لعظم ما حملوه وثقله ودوامه كما نبه عليه ومع هذا لا يلحق بهم تعب أصلا ولما كان صيغة المبالغة وهي لا يستحسرون لهذه الفائدة لا مفهوم المخالفة بأن انتفاء التعب على وجه المبالغة لا يستلزم انتفاء أصل التعب والفتور فيجوز تحقق أصل المشقة في العبادة لما عرفت من أنه إن لحق الفتور لحق على وجه المبالغة كما قيل في قوله تعالى : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصلت : 46 ] إن وقع الظلم من اللّه تعالى لوقع على وجه المبالغة لكونه عظيما وفعل العظيم عظيم فلا مفهوم هنا ولا هناك ولك أن تقول إن المبالغة في النفي دون نفي المبالغة بأن يلاحظ النفي أولا والمبالغة ثانيا كما قيل في القول المذكور لوحظ أولا نفي الظلم ثم لوحظ المبالغة في النفي وإنما احتيج إلى هذا الاعتذار مع أن أرباب اللغة صرحوا بأن حسروا متحسر بمعنى واحد لأنهم بينوا اتحادهما في أصل المعنى كما هو وظيفتهم وأما المبالغة بأن زيادة اللفظ في الأكثر تدل على زيادة المعنى فهي وظيفة أرباب علم التصريف . قوله تعالى : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 20 ] يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ( 20 ) قوله : ( ينزهونه ويعظمونه دائما ) مقتضى قوله الليل والنهار لأنه يفيد الدوام قوله ويعظمونه إشارة إلى أن المراد المعنى العام للتنزيه والتعظيم بأنواع الثناء كالتهليل والحمدلة والتكبير والحوقلة بطريق عموم المجاز ذكر التسبيح وأريد التعظيم بالتنزيه عن سمات النقص والتوصيف بأوصاف الكمال . قوله : ( حال من الواو في يُسَبِّحُونَ [ الأنبياء : 20 ] وهو استئناف أو حال من ضمير قبله ) حال من الواو وهو احتراس وتكميل وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه فإنه لو اكتفى بقوله يسبحون الليل والنهار لتوهم أن بذلك يعرض لهم الفتور فأتى على سبيل التكميل لا يفترون دفعا لذلك التوهم وينكشف منه أن ختم هذا الكلام بقوله : لا يَفْتُرُونَ [ الأنبياء : 20 ] من باب مراعاة النظير كما أن ختم الكلام في الآية الأولى بلا يستكبرون الآية من مراعاة النظير أيضا ونقل عن كعب الأخبار أنه قال إن تسبيح الملائكة وتحميدهم وغير ذلك كالتنفس لهم فلا يمنع عن التكلم شيء آخر فلا إشكال بأن بعض الملائكة مأمورون بفعل آخر كتبليغ الرسالة وغير ذلك وإلى هذا أشار المصنف في قوله تعالى : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] الآية . انتفاء بالغا أقصى الغاية لا قيد للمنفى ليرد النفي إلى القيد المفوت للمبالغة . قوله : ولا يستحسرون أي وهم مع أن شأن عبادتهم ذلك لا يستحسرون . قوله : وهو استئناف أي قوله : يُسَبِّحُونَ [ الأنبياء : 20 ] استئناف كلام جيء لبيان أن عبادتهم ما هي ومن أي جنس من أجناس الطاعة أو حال من ضمير قبله وهو ضمير لا يستكبرون أو ضمير لا يستحسرون .